الغزالي

194

إحياء علوم الدين

الثاني : هو الذي له ذوق السماع ، ولكن فيه بقية من الحظوظ والالتفات إلى الشهوات والصفات البشرية ، ولم ينكسر بعد انكسارا تؤمن غوائله ، فربما يهيج السماع منه داعية اللهو والشهوة ، فيقطع عليه طريقه ، ويصده عن الاستكمال الثالث : أن يكون قد انكسرت شهوته ، وأمنت غائلته ، وانفتحت بصيرته ، واستولى على قلبه حب الله تعالى ، ولكنه لم يحكم ظاهر العلم ، ولم يعرف أسماء الله تعالى وصفاته وما يجوز عليه وما يستحيل ، فإذا فتح له باب السماع نزّل المسموع في حق الله تعالى على ما يجوز وما لا يجوز ، فيكون ضرره من تلك الخواطر التي هي كفر أعظم من نفع السماع قال سهل رحمه الله : كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل ، فلا يصلح السماع لمثل هذا ، ولا لمن قلبه بعد ملوث بحب الدنيا ، وحب المحمدة والثناء ، ولا لمن يسمع لأجل التلذذ والاستطابة بالطبع ، فيصير ذلك عادة له ، ويشغله ذلك عن عباداته . ومراعاة قلبه ، وينقطع عليه طريقه ، فالسماع مزلة قدم يجب حفظ الضعفاء عنه قال الجنيد : رأيت إبليس في النوم ، فقلت له هل تظفر من أصحابنا بشيء ؟ قال : نعم في وقتين ، وقت السماع ، ووقت النظر ، فإني أدخل عليهم به ، فقال بعض الشيوخ لو رأيته أنا لقلت له ما أحمقك ، من سمع منه إذا سمع ، ونظر إليه إذا نظر ، كيف تظفر به ؟ فقال الجنيد : صدقت الأدب الثالث : أن يكون مصغيا إلى ما يقول القائل ، حاضر القلب ، قليل الالتفات إلى الجوانب ، متحرزا عن النظر إلى وجوه المستمعين وما يظهر عليهم من أحوال الوجد مشتغلا بنفسه ومراعاة قلبه ، ومراقبة ما يفتح الله تعالى له من رحمته في سره ، متحفظا عن حركة تشوش على أصحابه قلوبهم ، بل يكون ساكن الظاهر هادئ الأطراف ، متحفظا عن التنحنح والتثاؤب ، ويجلس مطرقا رأسه ، كجلوسه في فكر مستغرق لقلبه ، متماسكا عن التصفيق والرقص ، وسائر الحركات على وجه التصنع والتكلف والمرآة ، ساكتا عن النطق في أثناء القول بكل ما عنه بد ، فإن غلبه الوجد وحركه بغير اختيار فهو فيه معذور غير ملوم ، ومهما رجع إليه الاختيار فليعد إلى هدوئه وسكونه ، ولا ينبغي أن يستديمه حياء من أن يقال انقطع وجده على القرب ، ولا أن يتواجد خوفا من أن يقال هو قاسى القلب عديم الصفاء والرقة .